عبد العزيز اظمين
استقبلت أول مريض في ذلك اليوم العاصف.. كان طفلا صغيرا تقوده أمه وقد نال الرمد من عينيه الصغيرتين حتى انغلقتا تحت وطأة الإفرازات والالتهاب الحاد..
وقفت حائرا أمام رفوف الأدوية المغبرة أبحث بينها عن مضاد حيوي موضعي أو قطرة عينية تعيد للطفل بصيص النور.. لكن خيبتي كانت تزداد مع كل ملصق أقرأه.. فإما أن تاريخه منته أو عبوة أجهل أنا هويتها..
لم يسعفني من "المغارة" إلا الحل السحري وهو دواء الأموكسيسيلين بجرعة 250 ملغ شراب للاطفال.. ورغم يقيني الطبي بأن استخدامه عن طريق الفم لعلاج الرمد ليس خيارا في الظروف العادية إلا أنه كان خياري الوحيد.. فكرت أنه ربما يحاصر العدوى البكتيرية ويمنع تفاقمها إلى نسيج العين الأعمق.. والحقيقة أنني لابد من أن أجد للسيدة ما "تتّافكْ مْعاه" فلا يمكنها أن تذهب خاوية الوفاض ولا يمكنني أن أفشل في أول اختبار..
تناولت الأم الدواء غير مقتنعة به فحتى هي تدرك أن للرمد قطرات أو مرهما عينيا.. ولا أعرف كيف أقنعها أن الحالة مستعصية ولا بد لها من علاج فموي.. ثم طلبت منها العودة بعد ثلاثة أيام أو قبل ذلك إن ساءت الحال.. ومالي للحال إذا ساءت !
المفارقة التي أذهلتني أن الطفل بدأ يتماثل للشفاء من يومه الأول ..
لعلها كانت "عذرية الأجساد" في تلك الفيافي فلم تنهكها الأدوية العشوائية.
في المناطق النائية تكون البكتيريا غالبا حساسة للمضادات الحيوية الكلاسيكية لأن السكان لم يسيئوا استخدامها مما يجعل الاستجابة للعلاج سريعة جدا مقارنة بالمدن.. أو ربما هو "تأثير البلاسيبو" وهي ظاهرة طبية نفسية مدهشة قرأت عنها قبل فترة قصيرة حيث يحدث تحسن حقيقي في حالة المريض رغم أنه تلقى علاجا لا يحتوي على مادة فعالة ضد مرضه.
تبعتْ الحالة الأولى حالات لاحقة كان الباراستامول والأموكسيسيلين علاجا للبعض.. بينما حظيت البعض الآخر بمواعيد عرقوبية وتم سقي أصحابها "سقي الكَمّون".
صبرت على هذا الحال ثلاثة أيام ثم قررت العودة إلى مدينة أطار.. أريد الهروب كباقي زملائي.. لا يمكن الاستمرار هنا الحياة صعبة للغاية رغم كرم أهل البرية وطيبتهم.
حتى بعد أن قررت الرحيل لم أجد سيارة للنقل.. السيارة الوحيدة للقرية تأتي أسبوعيا وأحيانا تتعطل في الطريق ..
لقد بدأت تنتابني نوبات اكتئاب بين الحين والآخر..
أمضيت هناك عشرة أيام أترقب سيارة القرية أو أن يأتي الله بمعجزة تنقلني من هذا المكان دون جدوى وفي كل يوم أحاول أن أتأقلم لكنني أختنق رغم هذا الفضاء المفتوح ..
بحثت كثيرا في تلك القمامة عن دواء يساعدني على النوم لكنني لم أجد ما يسعفني.. أو على الأقل ما ستطعت القراءة منها.. ولا يمكنني المجازفة بدواء لا اعرف طبيعته فلم أقرر الإنتحار بعد!
كانت تلك الأيام أشد أيام حياتي غرابة.. كانت تنتابني نوبات اكتئاب شددية.. كان نومي متقطعا مشوشا وكنت أستيقظ منهكا مع الخيوط الأولى للفجر وكأنني لم أنم اصلا ..
فقدت شهيتي للطعام تماما وكل شيء كنت أحبه وكانت تنتابني فجأة رغبة كبيرة في البكاء دون معرفة السبب تحديدا.
وأخيرا جاء الفرج.. جاءت سيارة القرية بعد اربعة عشر يوما اتئن تحت ثقل المتاع وصعوبة الطريق.. لكن لم يكن وصولها يعني الرحيل الفوري إذ كان علي أن انتظر اكتمال نصاب الركاب فليس لدي من المال ما يكفي لكرائها فراتب الموظف العمومي الجديد كان لا يأتي إلا بعد تسعة أشهر من المخاض.
لا مفر من الصبر على مقتضى الحال..
بدأت أستعيد شيئا من طاقتي وعافيتي فمجرد رؤية وسيلة النقل أحيا في داخلي أملا كان قد قارب الاحتضار..
انتظرت أربعة أيام حتى اكتمل عدد الركاب وانطلقنا في رحلة العودة..
وصلنا مدينة أطار بعد مسيرة يومين فالسيارة تتحرك ببطئ شديد وتتوقف كل حين.. إنها تحمل الأطفال والنساء والمريض والمعلم و"الطبيب" والدواب وكثير من الناس.
بعد وصولي لم أمهل نفسي فرصة التقاط الأنفاس.. تةجهت مباشرة إلى المدير الجهوي.
كان رجلا مهذبا ومحترما.. وهو بالمناسبة الآن إطار كبير بوزارة الصحة.
استقبلني بحفاوة.. كان يدرك الأثر الثقيل الذي تتركه تلك المناطق النائية في نفوس الشباب خاصة حين يرمى بهم فيها دفعة واحدة دون تمهيد..
قال لي بنبرة هادئة.. اذهب واسترح.. نلتقي غدا.
قصدت بعض أقاربي في المدينة.. غمروني بكرم حاتمي مفرط حتى خيل إلي أنهم اطلعوا على ما في نفسي من انكسار ويحاولون جبره.. لكنني أدركت لاحقا أن هذا الاحتفاء ليس استثناء هو طبع أصيل في الإنسان الآدراري وسجية لا تبدلها الأيام.
كان أطار حينها نصف مدينة لكنه جنة بالنسبة لي أنذاك.
بعد أن التقطت أنفاسي اتصلت بوالدي كنت أبحث عن مخرج.. أي مخرج.
طلبت منه أن يتدخل أن يبحث لي عن وساطة تنقلني من تلك القرية.
صمت قليلا..
أبي من أوئل المثقفين في البلد الذين اشرف المستعمر على تكوينهم لكنه ليس رجل مجاملات.. إنه ضيق جدا حين يتعلق الأمر بالوساطة وحقوق الآخرين.. لقد رفض مناصب كثيرة كان يمكن أن تغير مسار حياته فقط لأنه لا يريد أن يكون مسؤول عن حقوق العباد.
قال لي لا تأخذ مكان غيرك.. ستتعود على المكان.
أغلقت الهاتف وأنا بين خيبة أمل وإحساس مبهم بأنه يرى ما لا أراه..
كان يعلم أن القسوة التي أهرب منها اليوم هي نفسها التي ستصنع مني شيئا غدا.
في اليوم الموالي عدت إلى المدير الجهوي..
يتواصل..
