في زيارة مدرستي الإبتدائية

في زيارة مدرستي الإبتدائية

توتو بنت الميداح

 

أشعر منذ فترة برغبة عارمة، في زيارة مدرستي الإبتدائية، بشكل خاص.

أظن السبب، هو عاطفة جياشة سيطرت على إحساسي، لقرابة العام، بحيث أصبحت أميل بشدة، إلى التفكير في حياتي الماضية، بحثا تلك الفتاة الصغيرة مرتاحة البال، هادئة الطباع، التي لا تتطلع لغير التفوق في الدراسة، و ليس لديها فضول لتعرف شيئا غير المدرسة و الصديقات.

فتاة لم تعرف طعما لوجع الفقد. 

فكلما تقادمتْ مرحلة، من تلك الذكريات كانت الأسرع الى ذهني و الأحب إلى قلبي.

قبل يومين كنت في المذرذرة، من أجل زيارة أحبة لي، تحت ثرى منكبها الجنوب الشرقي، روت مرقدهما و من معهما من الأهل و الأحبة، هُتن ساريات الى يوم الدين.

هناك غمرني ذلك الشوق إلى تتبع خطواتي الأولى، نحو مدرستي، سيرا على الأقدام.

خرجت من بيتنا في الطرف الشمال الغربي، من المدينة، متتبعة مساري القديم جدا، خطوة..بخطوة، نحو المدرسة رقم واحد..المدرسة العتيقة، المسماة، سابقا بمدرسة فولانفان Folenfant. و هو مفتش تعليم فرنسي من حقبة الإستعمار..أشبع أمره، من هم أعلم و أفضل..حديثا و شرحا،

فكفوْنا معاشر التلاميذ ما بعد الإستقلال بأكثر من عقدين من الزمن، العودة لقصته الآن.

فالفكرة الأساسية لهذا النص، ترتكز على مدرستي، و ما جد عليها بعد كل تلك الفترة، و تحليل رغبتي الجديدة في رؤيتها.

قررت ان يكون بيتنا القديم، منطلقا لي، تماما، كما كان إبان طفولتي..

ذلك البيت المتواضع، المتمركز وسط المدينة، فوق الشارع الرئيسي.

المليء حبا، و سلاما، و صرامة..حيث كان كِتاب الله يتلى آناء الليل و أطراف النهار..إضافة إلى الأمر بالإلتزام بالأوامر الإلهية، و الإبتعاد عن النواهي.

قد أصبح اليوم منزلا فخما، من طابقين، و البيوت المتراصة على جانبيه، حوانيتا و أسواقا.

أمر طبيعي بعد تعبيد الطريق الرئيسي الذي يمر أمامه بالضبط و التطور العمراني على مر السنين.

دخلت مع الشارع الصغير يمينا، عند زاوية البيت الموالي، الذي لم يتغير، من حيث المضمون، فقد كان حانوتا صغيرا مطلا على الشارع و خلفه منزل مؤجر، تعود ملكيته لأحد سادات القرية، المغفور له سيداحمد ول العالم..تم تغييره بشكل كامل، ليصبح كله متجرا كبيرا، نسبيا.

واصلت المسير يسارا، باتجاه الشرق، لأخذ المنعطف يمينا، عند زاوية بيت، كان سابقا، قبل أن آتي إلى الدنيا، ملكا لعمّي من الجهتين، المرحوم امحمد ول محمد الميداح.

و بعد تجاوز شارع يساري، و منزلين إلى ثلاثة، كنت سابقا، لأجد أمامي، ساحة كبيرة، تطل عليها البوابة الغربية للمدرسة.

إلا أنني وجدت وضعية أخرى..فقد أربكتني عشوائية الطريقة التي تغيرت بها المنطقة و فوضويتها، بحيث أتت المباني، غير المكتملة، على تلك الساحة، بالكامل.

لم استطع التعرف على البوابة، لأنها كانت مهدمة و تكاد تغلقها المباني العشوائية، و كثبان الرمال و الحجارة.

حتى يُخيّل إلى الزائر أن المكان لم يعد مستخدماً، منذ زمن بعيد.

كانت تطل على الساحة المقابلة لتلك البوابة، ثلاثة بيوت، أعرفها بوضوح..

أقربها، و في مواجهة المدرسة مباشرة، بيت المرحوم الممرض، هاديه ول بو انعامه..أذكره جيد، و زوجته السيدة الكريمة دابا انچاي، متعها الله بالصحة و العافية، التي كانت تعمل في المدرسة، لا أدري طبيعة عملها، بالضبط.

كان بيتهم مفتوحا على مدار اليوم للتلاميذ، للأكل و الشرب و مشاهدة التلفاز، الوحيد في القرية لأكثر من ثلاث سنوات..بعدها، أقتنينا و عدة بيوت أخرى، أجهزة تلفاز.

كانت تشغّل ببطارية السيارة، و الهوائيات الحديدية الطويلة المسننة من الأعلى.

و لم تكن الصورة، (غير الملونة، طبعا)، و الصوت ليتوفرا دون هبوب الرياح البحرية الباردة، المسماة محليا (الساحلية)، و كان ذلك نادر الحصول.

و البث نفسه لا ينطلق قبل السابعة مساء.

و كنا نحن الأطفال، لا يشغلنا بعد الدرس المسائي، إلا تحري تلك الرياح الغربية، و وسيلتنا الوحيدة هي رفع اليد بحفنة حصى و إطلاقها نحو الأسفل لننظر إلى أي اتجاه ستتحرك.

و كم تكون الفرحة كبيرة إذا تحركت نحو الشرق فذلك يعني مشاهدة ممتعة لمسلسل فوازيز رمضان للفنانة المصرية الشهيرة، شيريهان.

وجدت مدرستي في حالة صعبة للغاية، رغم عدم تغير معالمها..إلا أن منظرها أيقظ لدي أحاسيس و مشاعر مختلطة، و آلمني كثيرا، لعدة أسباب، أولها:

-ما تمثله لي شخصيا، مما لا يتسع المجال هنا لشرحه، و لا قدرة لي على التعبير عنه، أصلا.

-عدم صعوبة حالتها، لدرجة تُعجز الإدارة المعنية عن إصلاحها و ترميم الأقسام الأكثر تضررا.

فالمدرسة كلها، عبارة عن ثمانية أقسام و مبنى الإدارة و مخزنين أو ثلاثة. بالإضافة إلى شقة صغيرة خاصة بالمدير.

اما الإدارة و الأربعة أقسام قُبالتها، فهي من طراز معماري غربي قديم جدا و قوي.

لم يلحق بها ما لحق بباقي الأقسام، من تهدم، أخرجها من الخدمة.

و بالتالي فهي لا تحتاج أكثر من التنظيف و الصيانة و التجديد اللوجستي.

ما يحتاج الترميم حقيقة، و بشكل جدي و رسمي و عاجل، هو الأقسام الأربعة الموجودة في الطرفين الجنوب الشرقي و الشمال الشرقي.

قبل ستة أعوام، كانت هناك مبادرة من بعض الأطر غير المسيّسين، ممّن درسوا فيها، شعروا بالمسؤولية تجاه ما آلت إليه حالها.

فقرروا ترميم تلك الأقسام..و بذلوا ما استطاعوا، إلا أن صعوبة العملية، و فنيتها، كانت العائق الذي اعترض مبادرتهم، فاضطرهم الى التوقف إلى أن تجد من هم أكثر خبرة و اختصاصا و طبعا إرادة جادة من الإدارة.

و اكتفوا، مؤقتا، بأقسام بديلة كانت قد بنيت من طرف العمدة الأسبق، أحمدو ول المؤيد.

سلام على تلك الروح الطيبة التي درَست و درّست و أدارت و فتّشت في تلك المدرسة، فأحسنت و زادت و أخلصت طيلة مسيرتها هناك..