عندما تعرّفتُ إلى الشاعر بدي المرابطي في نهاية تسعينات القرن الماضي، لم يكن حضوره وحده ما يلفت الانتباه، بل تلك الظلال التي كانت ترافقه في الحديث، وعلى رأسها اسم الشاعر المختار السالم.
كان بدي (ولا يزال) يذكره بإلحاح يكاد يمنحه حضورًا ماديًا، حتى بدا وكأننا نجلس إلى ثلاثة لا إلى اثنين. لم يكن ذلك مجرد تكرار اسم، بل استدعاءً لوعي إبداعي غائب/ حاضر، يتشكّل في اللغة قبل أن يتجسّد في الواقع، ويُبنى في الخيال قبل أن يُدرك بالحواس.
الكتابة ضرورة وجودية

مع مرور الوقت، تشكّلت لديّ صورة ذهنية عن هذا الرجل؛ صورة لمبدع يقيم في منطقة وسيطة بين الحلم والتجربة، حيث لا تكون الكتابة انعكاسًا للعالم، بل إعادة خلق له. كان يبدو لي، قبل أن ألقاه، كاتبًا يشتغل على ما وراء الظاهر، على تلك المنطقة التي تلتقي فيها اللغة بالحدس، والفكرة بالإحساس. وحين بدأتُ أتواصل معه عبر الهاتف، شعرتُ أن المعرفة يمكن أن تُبنى خارج شروط اللقاء المباشر، وأن ثمة صلة خفية بين المبدعين، تتأسس على حساسية مشتركة تجاه اللغة بوصفها قدرًا، لا مجرد أداة.
جاء اللقاء أخيرًا في نواكشوط، خلال ندوة تكريمية لأحد الرموز الثقافية الموريتانية، وهناك لم ألتقِ بشخص فقط، بل بتجربة إبداعية حيّة. تحوّلت جلساتنا إلى فضاء حرّ للحوار، غير أن ما كان يشدّني لم يكن الأفكار في ذاتها، بل طريقتها في التشكّل؛ كان المختار يتحدث كما يكتب، بلغة تنساب دون ادعاء، حيث تتحول الفكرة إلى صورة، والمعنى إلى مشهد، والكلام إلى كتابة شفوية مشبعة بروح الشعر.
ما شدّني فيه منذ البداية هو ذلك الاتزان الداخلي، وتلك السكينة التي تميّز أبناء الصحراء؛ لكنها هنا لم تكن مجرد سمة نفسية، بل بنية إبداعية كاملة. ففي هذا الهدوء تتكوّن الرؤية قبل أن تُصاغ، ويُعاد ترتيب العالم في الداخل قبل أن يظهر في النص. لذلك بدا المختار أقرب إلى كاتب لا يصف الواقع، بل يعيد إنتاجه وفق منطقه الجمالي الخاص، وكأن الكتابة عنده فعل تأمل طويل قبل أن تكون فعل تعبير.
المختار السالم كاتب متعدد الأجناس، غير أن هذا التعدد لا يعكس تشتتًا، بل يكشف عن طاقة إبداعية تبحث عن أشكالها الممكنة. ففي الشعر، ينحاز إلى قصيدة النثر بوصفها فضاءً مفتوحًا، حيث تتحرر اللغة من الإيقاع التقليدي لتصبح أكثر قدرة على التقاط الهشّ والعابر، وأكثر استعدادًا لاحتضان التجربة في سيولتها الأولى. أما في الرواية، فإنه لا يكتفي بالسرد، بل يعيد تشكيل الذاكرة، محولًا التاريخ إلى مادة تخييلية قابلة لإعادة الكتابة، حيث يمتزج الواقعي بالمتخيَّل، والوثيقة بالحدس.
وفي المقالة، تتجلّى قدرته على كسر جفاف الفكر وتحويله إلى تجربة جمالية؛ فهو لا يكتب أفكارًا مجردة، بل يصوغها في لغة مشحونة بالصور، تجعل القارئ يعيش الفكرة بدل أن يكتفي بفهمها. هنا تحديدًا تتجلى خصوصية مشروعه: فالكتابة عنده ليست نوعًا أدبيًا، بل فعل خلق مستمر. إنه لا ينتقل بين الأجناس، بل يذيبها داخل تجربة واحدة، حيث يغدو الشعر تفكيرًا، ويغدو الفكر تخييلاً، ويصبح النص مساحة تلتقي فيها الأشكال دون حدود.
في عالم عربي يتراجع فيه فعل القراءة، تبدو هذه التجربة نوعًا من المقاومة الإبداعية الهادئة. فالمختار لا يكتب بحثًا عن جمهور، بل وفاءً لعلاقة داخلية مع الكتابة. إنه يكتب لأن المعنى مهدد، ولأن اللغة هي الملاذ الأخير لإنقاذه من التلاشي. ومن هنا، تتحول الكتابة إلى ضرورة وجودية، إلى فعل بقاء، لا إلى خيار ثقافي عابر.
الصحراء استعارة كبرى
لقد بلغ هذا الوعي الإبداعي ذروته في نصه “بيان إلى سكان هذه الصحراء”، الذي يمكن اعتباره نصًا عابرًا للتصنيفات. فهو ليس بيانًا بالمعنى السياسي فحسب، ولا نصًا فلسفيًا خالصًا، ولا قصيدة بالمعنى التقليدي، بل شكل هجين تتداخل فيه الأنواع لتُنتج كتابة جديدة، كتابة تتجاوز القوالب الجاهزة وتعيد تعريف علاقتنا بالنص.
ينطلق البيان من سؤال يبدو سياسيًا في ظاهره: كيف تفككت جماعة كانت موحّدة؟ لكنه سرعان ما يتحول إلى سؤال وجودي عميق، يعيد طرح العلاقة بين الإنسان والمكان، بين الهوية والتاريخ، بين الذاكرة والواقع. غير أن المختار لا يقدّم إجابات مباشرة، بل يعيد صياغة السؤال داخل نسيج لغوي يجعل التفكير نفسه تجربة جمالية.
في هذا السياق، تتحول الصحراء إلى استعارة كبرى، لا تحيل إلى المكان فقط، بل إلى حالة إنسانية كاملة: الانفتاح، التيه، البحث، والاحتمال. الصحراء هنا ليست جغرافيا صامتة، بل كائن حي، ذاكرة ناطقة، وفضاء يتنفس عبر اللغة. يكتبها المختار كما لو كانت شخصية، لها حضورها وتأثيرها، وتشارك الإنسان قلقه وأسئلته. وهنا يبلغ الإبداع ذروته، حين تتحول الجغرافيا إلى شعر، والتاريخ إلى سرد حي، والوجود إلى نص مفتوح.
ولا يأتي استدعاء التاريخ، مثل المرابطين والموحدين، في إطار تمجيد الماضي، بل في سياق إعادة تخييله. فالتاريخ عند المختار ليس ما كان فقط، بل ما يمكن أن يُعاد بناؤه داخل النص. إنه مادة خام يعيد تشكيلها وفق رؤيته، ليجعل منها أفقًا مفتوحًا لا ذاكرة مغلقة. وهكذا، يصبح الماضي عنصرًا حيًا في تشكيل الحاضر، لا عبئًا يثقل كاهله.
غير أن النص لا يهرب إلى الماضي، بل يظل مشدودًا إلى الحاضر بكل توتراته، لكنه لا يعرض هذا الحاضر بلغة تحليلية مباشرة، بل عبر صور واستعارات تجعل الأزمة تُعاش شعوريًا قبل أن تُفهم عقليًا. وهذه إحدى أهم سمات الكتابة الإبداعية عند المختار: تحويل الفكرة إلى تجربة حسية، وتحويل الواقع إلى حالة شعورية.

وفي هذا السياق، يمنح للذاكرة دورا إبداعيا حاسما، فهي ليست مجرد استرجاع، بل إعادة خلق. تُكتب الذاكرة من جديد، وتُعاد صياغتها داخل اللغة، لتصبح أداة لفهم الحاضر واستشراف المستقبل. إنها ذاكرة منتِجة، لا مستهلكة، تتحرك داخل النص وتعيد تشكيل المعنى باستمرار.
اللغة هنا ليست وسيلة للتعبير فقط، بل هي الفضاء الذي يتشكل فيه العالم. لغة مشبعة بالصور، تتجاور فيها الاستعارة مع الفكرة، والرمز مع الواقع، والحلم مع التاريخ. تتحول الكلمات إلى كائنات، والمعاني إلى حركة داخل النص. وهذا ما يمنح الكتابة كثافتها، ويجعلها قادرة على مخاطبة القارئ على مستويات متعددة: فكرية وجمالية ووجدانية في آن.
الخلق الإبداعي
لا يمكن فصل هذا البيان عن مجمل المشروع الإبداعي للمختار السالم، الذي يقوم على كسر الحدود بين الأجناس، وعلى الإيمان بأن الإبداع هو القدرة على إعادة صياغة العالم. وقد أثار هذا التوجه جدلًا، خاصة في ما يتعلق بقصيدة النثر، لكنه في الوقت ذاته أسهم في تحرير الكتابة من قيودها وفتح أفقا جديدا أمامها.
ويمتد هذا الوعي الإبداعي إلى رؤيته للعالم العربي، حيث تتحول القضايا الكبرى، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، من موضوعات سياسية إلى رموز إنسانية عميقة، تُعاد كتابتها داخل النص بوصفها تعبيرًا عن صراع الإنسان من أجل المعنى والحرية والكرامة.
ورغم الطابع النقدي الذي يطبع نصوصه، فإنها لا تخلو من أفق جمالي مفتوح على الأمل. فالمختار لا يكتب من موقع اليأس، بل من موقع الخلق. الكتابة عنده ليست فقط وسيلة لفهم العالم، بل لإعادة ترتيبه، ولو على مستوى اللغة. والبيان، في هذا المعنى، ليس دعوة فحسب، بل فعل إبداعي يعيد تشكيل الوعي.
في المحصلة، لا يمكن النظر إلى مشروع المختار السالم إلا بوصفه مشروعا يجعل من الإبداع مركزًا لكل فعل ثقافي. فالنص عنده ليس انعكاسا للعالم، بل اقتراح له، ومحاولة دائمة لإعادة تخيّله. ومن هنا، فإن “بيان إلى سكان هذه الصحراء” ليس مجرد نص، بل تجربة مفتوحة، تدعو القارئ إلى أن يكون شريكًا في إنتاج معناها، لا مجرد متلقٍ لها.
ويبقى السؤال مفتوحا: هل تستطيع الصحراء أن تتحول من هامش إلى مركز؟ لكن الأهم أن هذا السؤال نفسه يُطرح بوصفه فعلا إبداعيا، يعيد إلينا الإيمان بأن اللغة لا تكتفي بوصف العالم، بل قادرة على خلقه من جديد. وذلك، في جوهره، هو معنى الإبداع.
في المسافة الفاصلة بين البيان والإبداع، يكتب المختار السالم نصّه الحقيقي. هناك، حيث لا تكون اللغة مجرد أداة للإخبار، ولا الفكر مجرد محاولة للتفسير، بل يصبح القول فعلا من أفعال الخلق. فالبيان عنده لا يُغلق المعنى، بل يفتحه، ولا يقدّم إجابة نهائية، بل يدفع السؤال إلى أقصاه، أما الإبداع، فليس ترفا جماليا، بل طريقة أخرى لفهم العالم، وربما لإعادة بنائه.
هكذا، يلتقي البيان بالإبداع لا بوصفهما مجالين منفصلين، بل كوجهين لتجربة واحدة: تجربة البحث عن المعنى في عالم يتشظّى. ففي لحظة تتراجع فيها اللغة إلى مستوى الاستهلاك، يعيد المختار السالم الاعتبار للكلمة بوصفها حدثًا، وللنص بوصفه إمكانية. إن بيانه ليس خطابًا موجّهًا إلى الخارج فحسب، بل هو أيضًا كتابة داخلية تعيد ترتيب الذات قبل أن تخاطب الجماعة.
ومن هنا، لا يعود السؤال: ماذا يقول النص؟ بل كيف يخلق ما يقول؟ ذلك أن قوة هذا المشروع لا تكمن في أطروحاته فقط، بل في قدرته على تحويل الفكر إلى تجربة حسّية، والهوية إلى نص مفتوح، والصحراء إلى أفق رمزي لا ينتهي. في هذا التداخل، يغدو البيان إبداعًا، ويغدو الإبداع موقفًا.
وفي النهاية، لعل القيمة الأعمق في هذا المشروع أنه يعيد إلينا الثقة بأن الكتابة لا تزال قادرة على أن تكون فعلًا مؤثرًا، لا في الواقع المباشر فقط، بل أيضا في الوعي الذي يسبق كل تغيير. فبين البيان والإبداع، تتشكل تلك المنطقة الخصبة التي يمكن أن يولد فيها المعنى من جديد.

◄ الكتابة عنده ليست نوعا أدبيا بل فعل خلق مستمر

